الشيخ محمد رشيد رضا

103

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

سننه تعالى في أفراد البشر وأقوامهم وأممهم بينا سنن اللّه تعالى في تأثير العقائد والصفات النفسية في الاعمال وترتب الاعمال عليها في مواضع [ منها ] إخزاء الكافرين في الآية الأولى [ ومنها ] نفي هداية اللّه تعالى للظالمين والفاسقين والكافرين في الآيات 19 و 24 و 37 و 80 [ ومنها ] كراهته تعالى انبعاث المنافقين للقتال وتثبيطه لهم وقوله [ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ ] في الآية 46 [ ومنها ] طبعه على قلوبهم في الآيتين 87 و 93 وفي معناه صرف قلوبهم عن الايمان بالقرآن في الآية 127 وتقدم بيان هذا في الفصل الذي قبل هذا ومن بيان سننه تعالى في الأمم قوله تعالى ( 39 إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ) فبقاء الأمم وعزتها يتوقفان على قوة الدفاع الحربية [ راجع تفسيرها في ص 425 ] ومنها قوله [ 47 لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا ) فراجع تفسيرها في ص 72 ومنها قوله ( 115 وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ ( الفصل الرابع ) في قضاء اللّه وقدره وولايته للمؤمنين وتوكلهم عليه هذه عدة عقائد من أصول الايمان ، وكمال التوحيد والايقان ، جمعت كلها في آية واحدة من هذه السورة أمر اللّه تعالى نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يرد بها على المنافقين الذين أخبره عنهم بأنهم تسوءهم كل حسنه تصيبه كالنصر والغنيمة في غزوة بدر ، وتفرحهم كل مصيبة تصيبه كالنكبة التي وقعت في غزوة أحد وهي ( 51 قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) فتصور حال مؤمن يوقن أنه لن يصيبه الا ما كتبه اللّه له - وأنه ان لم يكن يعرف هذا المكتوب له بعينه فهو يعتقد أنه لا يعدو في جملته وعده تعالى له من حيث هو مؤمن من الخير والنصر والشهادة في سبيل اللّه المعبر عنهما بالحسنيين في الآية التي بعد هذه [ أي آية 52 ] ويعتقد أن اللّه تعالى هو مولاه الذي يتولى نصره وتوفيقه ، فهو بمقتضى إيمانه يتوكل عليه ويفوض أمره اليه ، تصور حال مؤمن تمكنت هذه العقائد من نفسه ، وملكت عليه وجدانه ، هل يخاف من غير اللّه ؟ هل بيأس من روح اللّه ؟